عمر فروخ

310

تاريخ الأدب العربي

وأقلّ فعلي يوم بانوا أنّني * قبّلت آثار المطيّ تشوّقا « 1 » . ولو انّ عذرة شاهدت من موقفي * شيئا لحذّرها بألّا تعشقا « 2 » ! - في نفح الطيب ( 3 : 153 - 154 ) : قال الحميديّ : أنشد بحضرة بعض ملوك الأندلس قطعة لبعض أهل المشرق ، وهي : وما ذا عليهم لو أجابوا فسلّموا ، * وقد علموا أنّي المشوق المتيّم « 3 » . سروا ونجوم الليل زهر طوالع ، * على أنّهم بالليل للناس أنجم « 4 » . وأخفوا على تلك المطايا مسيرهم * فنمّ عليها في الظلام التبسّم « 5 » . فأفرط بعض الحاضرين في استحسانها ، وقال : هذا ما لا يقدر أندلسيّ على مثله ، وبالحضرة أبو بكر يحيى بن هذيل فقال بديها : عرفت بعرف الريح أين تيمّموا ، * وأين استقلّ الظاعنون وخيّموا « 6 » . خليليّ ، ردّاني إلى جانب الحمى ؛ * فلست إلى غير الحمى أتيمّم . أبيت سمير الفرقدين كأنّما * وسادي قتاد أو ضجيعي أرقم « 7 » . وأحور وسنان الجفون كأنّه * قضيب من الريحان لدن منعّم « 8 » ،

--> ( 1 ) بآنوا : ابتعدوا ، رحلوا . المطيّ جمع مطيّة : الراحلة ، الدابة التي يسافر الناس عليها . ( 2 ) عذرة - بنو عذرة . بنو عذرة قبيلة كانت تسكن في بادية الحجاز اشتهر أفرادها بالحبّ ، وبأنّ أحدهم كان إذا أحبّ ترك طعامه وشرابه ونومه وربّما مات من شدّة حبّه . يقول الشاعر : لو أنّ بني عذرة شاهدوا أثر الحبّ فيّ أنا لتركوا هم الحبّ خوفا من نتائجه على المحبّ . ( 3 ) المشوق : المشتاق ، المحبّ . المتيّم : الذي ذلّله الحبّ وأضناه ( أسقمه وأمرضه ) . ( 4 ) سرى : سار ليلا . زهر : لامعات ( لشدة ظلام الليل ) . طوالع : عاليات في كبد السماء ( في نصف الليل ) ( 5 ) المطيّة : الدابة التي يسافر الناس عليها - سافروا على تلك المطايا في منتصف الليل حتّى يخفوا مسيرهم ( سفرهم ) عن المحبّ . ( 6 ) العرف : الرائحة الطيّبة . تيمّم : قصد ، اتّجه . وأين استقل - ومن أين استقلّ ( بدأ السفر ، نهض من مكانه ليسير ) . الظاعن : المسافر . خيّم : نزل ، نصب خيامه ليسكن . ( 7 ) أبيت : أقضي الليل . سمير الفرقدين : ساهرا مع الفرقدين . الفرقدان : النجم القطبي ( وهو نجم مزدوج يتألف من نجمين ) وهو لا يغيب أبدا - يقصد الشاعر أن الحبّ يجعله يسهر الليل كلّه فلا ينام أبدا . ( 8 ) الحور ( بفتح ففتح ) شدّة بياض بياض العين وشدّة سواد سوادها . وسنان الجفون : ناعس العينين . الريحان : نبت له رائحة طيّبة . لدن : طريّ . المنعّم : الذي لا يكلّفه أهله أعمالا متعبة ، ولذلك يظلّ جسمه لينا ناعما ممشوقا .